العقل والعاطفة في الخُطب الدينيّة المتطرّفة: الأخُوّة نموذجًا

ندوة مُغلقة بين جامعة الأزهر الشريف والمعهد

icon-calendar ٢٥ مارس ٢٠١٧

في يوم السبت الموافق ٢٥ مارس تمّ عقد اللقاء الثاني بين المعهد وجامعة الأزهر الشريف. تمّ أثناء اللقاء تناول موضوع «العقل والعاطفة في الخُطب الدينيّة المتطرّفة، الأخُوّة نموذجًا» بهدف تعميق مسألة التطرُّف الّتي تمّ طرحها أثناء اللِقاء الأوّل. ركزّ هذا اللقاء الثاني على قيمة دينيّة مُحدّدة وهي الأخُوّة.

بدأتْ المُداخلة الأولى، الّتي قام بها السيّد / حازم الرحماني أحد طلّاب قسم الدراسات الإسلاميّة بكلّيّة اللّغات والترجمة بنظرةٍ عامة حول الدعوة إلى الأخُوّة العالميّة المذكورة في النصوص المقدّسة للأديان السماويّة اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، وهي دعوةٌ للكَوْن كلّه ومُقارنتها بالخُطب الدينيّة الحالية. إذا كان بابوات الڤاتيكان (البابا يوحنا بولس الثاني والبابا فرنسيس) أو شيوخ الأزهر (الشيخ أحمد الطيّب والشيخ مصطفى المراغي) يسيرون في هذا الاتّجاه إلّا أنّ الكيانات المتطرّفة مثل داعش تتميّز، على العكس تمامًا، بالأخُوّة المُقيّدة مُستثنية بذلك من تظنّهم كفّارًا وغُرباء وحتّى إن كانوا أبناء من ذات الأسرة.

قامتْ بالمُداخلة الثانية الأستاذة / هند أمين وهي مُدرّس مُساعد بكلّيّة الدراسات الإنسانيّة وحاصلة على ماچستير في الترجمة والّذي تمّ عمله من خلال كتاب التطرّف للمُؤرّخ والعالِم السياسيّ أرنو بلين. ركّزتْ هند على مسألة: هل الخطاب الدينيّ يولّد التطرّف؟ فقد عرضتْ أربع عيوب للخطاب الدينيّ المتطرّف :

١) الخلط بين الدين والفِكْر

٢) الرجوع إلى مبدأ أوّليّ عالميّ

۳) التأسيس على أسلاف مُقدّسة محظور النقاش فيها

٤) اتّخاذ إقرارات قاطعة مبنيّة على مجرد سلطة.

بَعدَ ذلك قدّمتْ هند دراسةً حول موضوع: الخطاب المتطرّف يجد جذُوره في الأيديولوچيّات الثوريّة الّتي تعود للقرن العشرين والّتي اتّبعتْها حركات إنهاء الاستعمار. ولد الإسلام السياسيّ في هذا الإطار التاريخيّ الغنِيّ بقضايا مُحدّدة في العالم العربيّ (القضيّة الفلسطينيّة، الثورة العراقيّة، الغَزو السوڤيتيّ لأفغانستان).

قام بالمُداخلة الثالثة الأخ / ريمي شينو عضو بالمعهد وأمينه العامّ. وعرض الأخ / ريمي  قراءةً تاريخيّة حول مفهوم الأخُوّة واستخداماتها في العالم الغربيّ. تطوّر هذا المفهوم مُنذُ العصر اليونانيّ حيث تتضمّن أساسًا ازدواجيًّا بين التقيُّد بمجتمعٍ ما (المدينة) وبين العالميّة (لدى مُؤيّدي الفلسفة الرواقيّة ثُمّ أبناء الحركة الفيثاغوريّة الحديثة)، ثمّ تطوّر هذا المفهوم في الديانة المسيحيّة من نظرة تشمل الخليقة الجديدة كلّها بالروح القدس إلى أن انغلقتْ على ذاتها وشملتْ الجماعات المسيحيّة فقط بل واقتصرتْ على الرهبانيّات. حينئذ خضع مفهوم الأخُوّة لانتقادات مارتن لوثر مُطلق عصر الإصلاح في أوروبّا والّذي حاول ولم ينجح في إعادة نشر هذه الأخُوّة العالميّة حيث بقيتْ «أخُوّة مُقدّسة في المعموديّة». أمّا التقويّة وهي حركة لوثاريّة ظهرتْ في القرن السابع عشر على يد يوهان أرندت فقد دعتْ إلي الأخُوّة الروحيّة الّتي أصبحتْ مفهومًا علمانيًّا بفضل المنظّمة العالميّة الماسونيّة والثورة الفرنسيّة. عرض الأخ / ريمي فكرًا مسيحيًّا عن الأخُوّة من خلال التمييز بين محبّةٍ أخويّةٍ أصيلة، مُؤسّسة على نزاعات الأشقّاء المذكورة في الكتاب القدّس، والّتي تكشف أنّ هذه المحبّة ليستْ أصيلةً لكنّها تُبنى باستمرار. فهذه المحبة الأخويّة هي جزء من ملكوت السماوات يجب الاستعداد لها عن طريق بناءها. استطاع ريمي إذًا عرض نقطة التحوّل من الأخُوّة الشاملة للأخُوّة العنصريّة وهي أنّ الخطاب الدينيّ يؤكد أنّ الأخُوّة بمثابة نعمةٍ إلهيّة يجب تحقيقها في كلّ مكان، بينما الخطاب المتطرّف يحتكر المحبة ويقوم بتوزيعها بشكل انتقائيّ.

كانتْ المناقشة الّتي تلت المُداخلات الثلاث غنيّة وبشهادة الجميع مُعمّقة وناقدة وعلامة على بناء فكرٍ صادق مُشترك بيننا.

هل الأخُوّة بالمعنى الحرفيّ (صلة الدم) تستخدم نموذجًا يُقتدى به عندما نشير إلى الأُخوّة العالميّة؟ هذا السؤال يُعدّ نقطةً فاصلة. هل المحبّة الأخويّة هي المرجعيّة الّتي نعود لها أم هي أفق نبحث عنه إلى ما لا نهاية.

هل كان قابيل يتّسم بطبيعةً كارهة وحسُودة أمْ أنّ الكراهيّة تشوِيهٌ للنقاء الأصيل للأخُوّة؟ هل كانتْ تربط الأخوين علاقة حبّ أمْ احتياج؟ هل حقًّا من الضروريّ طرح الأخُوّة نموذجًا للحبّ العالميّ؟ ألا يُعدّ هذا تناقضًا في التطلّع لأخُوّةٍ عالميّة مع العلم أنّ التضامن الّذي تتطلّبه الأخُوّة مُهدّدٌ بالانتهاء تمامًا؟ ألا تُعدّ العودة إلى العائلة الأصليّة الّتي تفترضها فكرة الأخُوّة، مثل فكرة التراث، رجعيّة تخشى مواجهة الحداثة الّتي تفترض على العكس التأسيس الذاتيّ لموضوع التفكير وللجماعة السياسيّة؟

التعليقات مغلقة