قضيّة السنّة في رسالة الشافعيّ (ت ٨٢٠/٢٠٤)

د. أحمد وجيه

أستاذ بكلّيّة دار العلوم، جامعة القاهرة

icon-calendar ٢٤ يونيو ٢٠١٩ 

في كتاب «الرسالة» الّذي يُعدّ أقدم المصادر الأصوليّة في تاريخ الفكر الإسلاميّ ينخرط الشافعيّ (ت ٨٢٠/٢٠٤)  في الحجاج الّذي كان دائرًا بين «العراقيّين» و«الحجازيّين» وذلك بشأن مسألة الحجاج الفقهيّ: أيّ نوع من الأدلّة يُسمح بها ومدى قوّتها وصلتها ببعضها البعض؟ إحدى القضايا المُتنازع عليها هي اعتبار الحديث النبويّ أصلًا مستقلّا في الاحتجاج الفقهيّ. لم يكن الشافعيّ يسير على وَفقِ خُطّةٍ منطقيّة في ترتيب «الرسالة» باعتبارها النصَّ المؤسّس الأوّل، وذلك بخلاف عامّة كتب الأصول اللاحقة. كانتْ قضيّة السنّة وموقع النبيّ من الدين قضيّةً مركزيّة تبدّتْ من الصفحات الأولى في «الرسالة» حيث ابتدأ بذكر موقع النبيّ قبل ذكر موقع القرآن نفسه. وقد نوّع الشافعيّ في الاحتجاج على هذا الأصل بآياتٍ كثيرة مثل ﴿ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ (النساء ١٣٦) وغير ذلك من الآيات.

ابن تيميّة وإله الفلاسفة

الأخ / أدريان كانديار

طالب دكتوراه وعضو المعهد الدومنيكيّ

icon-calendar ٢٣ أبريل ٢٠١٩ 

قد خصّص ابن تيميّة (ت ١٣٢٨/٧٢٨)، في المجلّد التاسع من كتابه الضخم درء تعارض العقل والنقل والّذي يشكّل نقدًا غنيًّا ودقيقًا  للغاية للأطروحات العقلانيّة، ما يقرب من خمسين صفحة لدحّض الأفكار الميتافيزيقيّة للأرسطو كما قدّمها ثابت بن قرة (ت ٩٠١/٢٨٨) في تلخيصه.

على عكس الفلاسفة الّذين يفترضون جميعًا استقلاليّة العقل فيما يتعلّق بالنقل، يدافع ابن تيميّة عن فكرة أنّ النقل هو العقل وهو نقطة البداية لكلّ تفكير.

لا يمكن أن يكون الله العلّة الغاية فقط، حسب أرسطو، ولكنّ يجب اعتباره في الوقت نفسه العلّة الفاعلة وهذا يتناقض مع ارسطو. بالنسبة لابن تيميّة يرشدنا النقل إلى أنّ الله هو «إله» كالعلّة الغاية بصفته «المعبود» وفي ذات الوقت هو «ربّ» كالعلّة الفاعلة بصفته «الخالق». يردّ ابن تيميّة أيضًا على فكرة أن يكون العالم قديمًا وهو ما يتعارض مع النقل، بغضّ النظر عمّا يقوله الفلاسفة الّذين يدّعون أنّهم مسلمون. في النهاية، يدافع ابن تيميّة عن الفكرة غير الأرسطيّة بأنّ لله إرادة بوصفه العلّة الأولى. خلق الله العالم بإرادته وليس بموجب تشوّق أو نقص.

إله الفلاسفة، لكي نستعيد عبارة الفيلسوف الفرنسيّ بليز باسكال، ليس هو الإله الخالق كما يدلّ عليه النقل بل هو نتيجةٌ غلط لتفكير العقل البشريّ المتروك على حاله دون نقل.

المسيحيّون والمسلمون تحت حكم الشريعة في شمال نيچيريا: وجهة نظر كاهن راعيّ

الأخ / فيليكس إميكا أودوليسا

كاهن راعيّ في جوساو، ولاية زامفارة

icon-calendar ٢ أبريل ٢٠١٩ 

منذ عام ١٩٩٩ قرّرتْ الولايات ذات الغالبيّة المسلمة في شمال نيچيريا تطبيق الشريعة الإسلاميّة ليس فقط فيما يتعلّق بقضايا الأحوال الشخصيّة، وهو ما كان الحال بالفعل قبل ذلك التاريخ، ولكنّ أيضًا فيما يتعلّق بالقضايا الجنائيّة وهو قرارٌ يشكّ البعض أنّه دستوريّ أصلًا. لا تملك هذه الولايات الصلاحيّات الدستوريّة من أجل تطبيق قانون عقوبات خاصّ بها لأنّه لا يضمن المساواة بين كلّ المواطنين أمام القانون بغضّ النظر عن مكان إقامتهم في نيچيريا.

من الجدير بالذكر أنّ جميع المسلمين في نيچيريا لا يؤيّدون بنفس الدرجة هذه الخطوة. على سبيل المثال لدى جماعة اليوروبا الّتي تعيش في غرب البلاد نهجٌ أكثر تصالحًا مع الأقلّيّات الّتي تعيش على أراضيها. بينما في الشمال، تُعدّ جماعة الهوسا وجماعة الفولانيّ أكثر تشدّدًا، مثل رفضهم للزواج المختلط ما بين مسلمين ومسيحيّين كما يرفضون دعم الولاية للقرى المسيحيّة القليلة في المنطقة من حيث التعليم والصحّة إلخ…

يوجد الكثير من أعمال العنف في المنطقة من النزاعات بين سكّان المدن ورعاة البقر المتنقّلين، والمخدّرات، واللصوصيّة وطائفيّةٍ تُنسب بسهولة إلى جماعة بوكو حرام الّتي أصلها شرق البلاد. حازتْ جماعة بوكو حرام ذات اللغة الخطابيّة المعاديّة للغرب على إعجاب السكّان الّذين أهملتْهم الحكومة الفيدراليّة واستطاعتْ الحصول على دعم بعض عناصر الجيش لها ممّا يجعل القضاء عليها معقّدًا للغاية.

بعد عشرين عامًا من تطبيق الشريعة كقانونٍ جنائيّ عادتْ الحياة اليوميّة لطبيعتها لكنّ غياب الأمن لا يزال واضحًا ولا تزال التوتّرات العرقيّة والاقتصاديّة قائمة.

موقف الفارابيّ من النبوءة والنبوّة

د. كاتارينا بيلو 

أستاذ مساعد في الفلسفة بالجامعة الأمريكيّة بالقاهرة

icon-calendar ١٩ مارس ٢٠١٩ 

تناولتْ د. كاتارينا بيلو خلال هذه الحلقة الدراسيّة آراء الفارابيّ (ت. ٩٥٠/٣٣٩) حول النبوءة كمعرفة غير بشريّة ونبوّة النبيّ كصفة يتحلى بها وهذا في إطار فلسفة الفارابيّ عن الدين. تبحث حقًا كتابات الفارابيّ في الميتافيزيقيا والسياسة عن توافقٍ بين الفلسفة والدين والّذي نجده في رؤيته للملك الفيلسوف والنبيّ.

سمينارات المعهد

مميز

يقدّم المعهد حاليًا أربعة سمينارات:

  1. سمينار عامّ مُخصّص للثقافة العربيّة والإسلاميّة. يتمّ عقد ما يقرب من جلستين خلال الشهر سواءٌ باللغة العربيّة أو الفرنسيّة أو الإنجليزيّة. الحضور مجّانيّ ومفتوح للجميع. اضغط هنا للتسجيل وتلقّي الإعلانات. اضغط هنا لقراءة تقارير الجلسات السابقة.
  2. السمينار «لوي ماسينيون» للبحث العلميّ مخصّص لأعضاء المعهد.
  3. ندوات دوليّة، في القاهرة أو خارج مصر، والّتي يتمّ نشر أعمالها في مجلّة المعهد. اضغط هنا لقراءة تقارير هذه الندوات.
  4. في عام ٢٠١٨‒٢٠١٩، سمينار مدخل إلى الفلسفة العربيّة مكوّن من ستّ محاضرات للدكتور عزيز هلال. اضغط هنا للمزيد من التفاصيل.
  5. منذ عام ٢٠١٨، يشارك المعهد أيضًا في تنظيم البرنامج الشهريّ لندوات «ميدان المنيرة»، إلى جانب المعهد الفرنسيّ، ومركز الدراسات الاقتصاديّة والوثائقيّة والقانونيّة والاجتماعيّة، والمعهد الفرنسيّ للآثار، ومعهد البحوث للتنميّة. اضغط هنا لقراءة تقارير الندوات الّتي اقترحها المعهد.

الجرجانيّ وبدايات التداوليّة في القرن الخامس الهجريّ

د. زينب طه

أستاذ مساعد علم اللغة العربيّة في الجامعة الأمريكيّة بالقاهرة

icon-calendar ٥ مارس ٢٠١٩

غالبًا ما يكون هناك فرق بين معاني الكلمات حسب القاموس وقصد المتكلّم الّذي يستخدم هذه الكلمات، وفقًا لمعرفته، وثقافته، وربّما ديانته، والسياق الّذي يعيش فيه. التداوليّة هي العلم الّذي يبحث في هذه الفروق. على سبيل، التداوليّة هي الّتي يمكنها أن تشرح لنا لماذا يمكننا أن نفهم جيدًا كل الكلمات الخاصّة بنكتةٍ ما ولا نفهم النكتة نفسها، وينطبق هذا حتّى على بعض العبارات المجازيّة. يمكننا مثلًا أن نفهم بالضبط ما هو البطّيخ والمقصود بفعل «يحط» ومعنى كلمة «البطن» ولكننا لا نفهم هذه العبارة «حط في بطنه بطيخة صيفي» والّتي يقصد بها هنا في مصر هو «هادئ» أو «لا يهمّه شيء».

كان عبد القاهر الجرجانيّ (ت ١٠٧٨/٤٧٠) هو من أوائل النحاة العرب الّذي طرح السؤال بوضوح عن الفرق بين المعنى الصريح والمعنى الّذي يقصده المتكلّم.  وعلى عكس النحاة القدامى الّذين يؤلّفون كتبهم وفقًا للقواعد النحويّة التركيبيّة فإنّ الجرجانيّ يتّخذ، كنقطة انطلاق لنظريته، المعاني الّتي يقصدها المتكلّم ويبحث في الطرق المختلفة للتعبير عنها في لغةٍ عربيّة صحيحة نحويًّا.

وجهات نظر المسلمين حول الحوار بين الأديان

جمال جزوليّ وديني جريل وأوميرو مارُنجو بيرّيا

حلقة نقاش يديرها الأخ / أدريان كانديار، عضو المعهد الدومنيكيّ

في المعهد الفرنسيّ بالمنيرة

icon-calendar ٣٠ نوفمبر ٢٠١٨

صحيحٌ أن الحوار بين الأديان ظلّ ولأمدٍ طويل مبادرةً من جانب المسيحيّين، إلّا أنّ العديد من الصيحات المسلمة كانتْ ذات صدًى مسموع، داعيةً إلى الكشف عن الأسس القرآنيّة والنبويّة للتلاقي مع غير المسلمين. وقد أدار الأخ أدريان كانديار، وهو طالب دكتوراه في الدراسات الإسلاميّة وعضو في المعهد، مناقشةً بين ثلاثةٍ من علماء المسلمين الناطقين بالفرنسيّة، وهم: جمال جزوليّ المتخصّص في القرآن ومدير معهد النور في مدينة سيرجي بونتواز الفرنسيّة، وديني جريل المتخصّص في التصوّف والأستاذ الفخريّ في جامعة إيكس مارسيليا، وأوميرو مارُنجو بيرّيا المتخصّص في علم اجتماع الأديان والباحث في «معهد التعدّديّة الدينيّة والإلحاد».

 icon-video-camera انظر الفيديو (معظمه بالفرنسية).

حيث إنّ الرسالة القرآنيّة تتمحور حول وحدانيّة الله، فهذا لا يكون إلّا بإبرازُ التنوّع الّذي أراده الله للبشريّة، ذلك التنوّع البشريّ في المجتمعات والطقوس والّذي يمكن أن يعبّر بحقٍّ عن ثراء الوحدانيّة الإلهيّة. ووراء الحوار الّذي يمكننا أن نتمّمه فيما بيننا، يكمُن حوار الله مع العالم.

لا يمكن أن يعبَّر عن هذا العمق الإلهيّ اللامتناهي بكلماتٍ بسيطة لا لَبْسَ فيها، ولذا فإنّ آيات القرآن غالبًا ما تأخذ شكل التناقضات حاملةً في الوقت ذاته تعبيراتٍ تبدو وكأنّها متناقضةٌ متعارضة مثل أنّ القرآن هو الحقيقة المطلقة، وفي الوقت ذاته الله وحده هو مَن يَعلَم المهتدين. أو مثل أنّ الإسلامَ هو الدين الأوحد عند الله، وفي الوقت ذاته يكون النبيّ محمّد هو الشفيع لكلّ الأمم في يوم القيامة.

ومن ثمّ، فإنّنا مدعوّون إلى إعادة النظر في تصوّراتنا حول ماهيّة الحقيقة، ليس باعتبارها مضمونًا أُحاديّ المعنى نفرضه على الآخرين، بل باعتبارها حقيقةً واقعيّة يلزم لكلّ فرد أن يتلقّاها، ويتّخذ إزاءها مواقفَ وخياراتٍ سوف تكون بالضرورة مختلفةً عن مواقف وخيارات الآخرين. لذا يدعو الإسلام الناس إلى أن يَمْضُوا قُدُمًا في هذا الطريق بلا خوفٍ، لأنّه حتمًا طريق ينتهي بهم إلى الله وإلى اتّخاذ خياراتهم هم في حوارهم مع بعضهم البعض.

ظاهرة التضخّم الاقتصاديّ في العصر المملوكيّ

أسامة السعدونيّ جميل

باحث دكتوراه بكلّيّة دار العلوم، جامعة القاهر

icon-calendar ١٣ نوفمبر ٢٠١٨

يقوم الأستاذ أسامة السعدونيّ جميل بإعداد رسالة دكتوراه في كلّيّة دار العلوم حول موضوع التضخّم الاقتصاديّ في العصر المملوكيّ. لقد اختار الفترة من ١٣٩٧/٨٠٠ إلى ١٤٠٨/٨١٠ أيّ عشر سنوات من أجل دراسة الظواهر الاقتصاديّة الخاصّة بهذه الفترة بالمزيد من التفاصيل مثل دور الأطراف المختلفة (السلطان والتجّار وإلخ…) والتغيّرات الدقيقة في أسعار السلع الأساسيّة. يمثّل عام ١٤٠٣/٨٠٦‒١٤٠٤ بداية فترة زيادةٍ حادّة في الأسعار تصل إلى ٥٠٠٪ لمنتجاتٍ معيّنة. يساهم في تفسير هذه الظاهرة الفيضان المنخفض لنهر النيل والأوبئة وبعض القرارات السياسيّة المؤسفة. لم تتوقّف ظاهرة تضخّم الأسعار إلّا بعد تطبيق سياسة خفض الأسعار الّتي بادر بها السلطان المُؤيّد أبو النصر (ت ١٤٢١/٨٢٤) بعد وصوله للسلطة في عام ١٤١٢/٨١٥.

الاجتهاد والتقليد في الإسلام السنّيّ والشيعيّ

دعوة للمشاركة في مجلّة المعهد، عدد ٣٦ (٢٠٢١) 

في سياق الإصلاح الإسلاميّ الّذي ظهر في القرن الثامن عشر عَلَتْ أصوات بعض المسلمين ضدّ ممارسة تقليد المذاهب الفقهيّة المتّهَم بأنّه مسؤولٌ عن تراجع العالم الإسلاميّ. وعلى مثال محمّد بن عبد الوهّاب (ت ١٧٩٢)، كان هناك سلفيّون من اليمن مثل محمّد بن إسماعيل الأمير الصنعانيّ (ت ١٧٦٨) ومحمّد بن عليّ الشوكانيّّ (ت ١٨٣٤)، والإصلاحيّ المغوليّ أحمد عبد الرحيم شاه (ت ١٧٦٢) أو أيضًا مفكّرون مصريّون مثل محمّد عبده (ت ١٩٠٥)، ومحمّد رشيد رضا (ت ١٩٣٥) مِمّن نادَوْا بالممارسة التجديدية للتفكير في الإسلام، أي الاجتهاد وتخطّي تقليد المذاهب الفقهيّة المُتحجِّرة وذلك استنادًا على فكر ابن تيميّة (ت ١٣٢٨/٧٢٨).

في هذا السياق كان هناك نقدٌ لاذع للتقليد وإطراءٌ شديد للاجتهاد، إلى حدّ أنْ نُظِرَ إلى التقليد والاجتهاد في هذا الإطار الإصلاحيّ باعتبارهما ضِدَّيْنِ.1

وقد أيّد المستشرقون هذه الرؤية في فهم التقليد والاجتهاد. ومع ذلك أثبت نورمان كالدر وشيرمان جاكسون أنّ هذه الرؤية اختزاليّة، أي أنّها لا تراعي بشكلٍ كافٍ ظهور كلا المفهومين وتطوّرهما ولا تعالج العلاقة بينهما سواءٌ في مجال أصول الفقه أو الدين، زِدْ على ذلك أنها تتجاهل السياقات السياسيّة.2 وبالتالي قد تكون الدلالة السلبيّة للتقليد في علوم الإسلام جزءًا من تصوّرات المحدثين (راجع: أحمد فكري).3

ومع ذلك، فإنْ صحّ أنّ أبواب الاجتهاد «لم تُغلَق» (راجع: وائل بهجت حلاق4 فإنّ غالبيّة العلماء من القرن الخامس الهجريّ/الحادي عشر الميلاديّ، من أمثال عبد الملك الجوينيّ (ت ١٠٨٥/٤٧٨) قد أيّدوا فكرة أنّ الإسلام نظامٌ دينيّ تامّ.5 كان هناك تصوّرٌ للتاريخ يتّسم بأنّ الإسلام وصل إلى قمّة تطوّره التشريعيّ والكلاميّ من حيث الكيف ومن حيث الكم على حدٍّ سواء، الأمر الّذي يجعل من أيّ تطوّر انحرافًا للإسلام بل تدهورًا له. لم يتمّ إلغاء الاجتهاد وظلّ جزءًا من طريقة تفكير العلماء. من ناحيةٍ أخرى، فإنّ سيطرة التقليد هي الّتي شكّكَ المصلحون في جدواها.

يمكن إذًا أن نتساءل: كيف يؤسّس كلٌّ من الاجتهاد والتقليد شرعيّتَه وهيمنته من خلال أيّ جهدٍ عقليّ؟

على المستوى الكلاميّ وفي سياقٍ تميّز بسيطرة التصوّف، أظهر مؤيّدو التقليد أنّ العلماء يمكن أن يستنيروا من خلال النور المحمّديّ، ومن ثمّ فإنّ تعاليمهم حول معرفة الله وإرادته إنّما هي تعاليم صحيحة. من هذا المنظور كانتْ سِيَر أصحاب المذاهب الفقهيّة تمثّل أدّلةً لهذا التقارب مع النور المحمّديّ. أمّا مؤيّدو الاجتهاد فقد ألقَوْا الضوء على واجب كلّ مؤمن في أن يبحث في المصادر وألّا يقبل أيّ حكم دون أن يكتشف الدليل عليه بنفسه (راجع: محمّد بن أبي بكر بن قَيِّم، ت ١٣٥٠/٧٥١).6 ومع ذلك، فإنّ هذا المنظور الّذي يدافع عنه أهلُ الحديث يرافقه أيضًا تساؤلٌ جوهريّ حول سلطة تعاليم النبيّ والصحابة. أليس اتّباع الصحابة شكلًا من أشكال التقليد؟ هل ما يُؤخَذ على أصحاب المذاهب الفقهيّة لا يمكن تطبيقه على مقلّدي النبيّ؟

بعيدًا عن هذه المناقشات الدينيّة كان  انتشار التقليد والاجتهاد جزءًا من الاستراتيجيّات السياسيّة كذلك. ففي تاريخ الفقه والمذاهب تمّ استغلال الاجتهاد كأداةٍ سياسيّة من أجل الهروب من تعاليم مذهبٍ ما، بينما تمّ استغلال التقليد لتبرير موقفٍ محافظ كما كان أيضًا قوةً موجّهة نحو الاستقرار وحسن الإدارة.7 لكن، من جهةٍ أخرى، إذا كان تقليد المذاهب المختلفة يعارض وحدة الأمّة كتعبيرٍ بشريّ عن الوحدانيّة الإلهيّة فإنّ تعدّديّة الآراء المنبثقة من ممارسة التقليد قد ضمنتْ في الإسلام شكلًا من أشكال التعدّديّة ومصدرًا ضدّ كلّ إغراءات تنميط الآراء في ما بعد الحداثة.8 لا يحدث هذا بالطبع دون نقاش. في القرن السادس الهجريّ/ الثاني عشر الميلاديّ ومن بين علماء الأشعريّة، يقبل الغزاليّ (ت ١١١١/٥٠٥) أنّه في حالة وجود آراء متناقضة للمذاهب فجميعها على حقّ، بينما يرفض هذا الحكمَ محمّدٌ بن عمر الرازيّ (ت ١٢٠٩/٦٠٦؟) وأحمدُ بن إدريس القرافيّ (ت ١٢٨٥/٦٨٤). كما أنّ الفقيه الحنبليّ ابن تيميّة (ت ١٣٢٨/٧٢٨) يعارض الغزاليّ في نقده للتقليد.

لذلك تُعدّ العلاقة بين التقليد والاجتهاد معقّدةً للغايّة. يقترح هذا العدّد من مجلّة المعهد تعميق المنطقَيْن على ضوء التراث الإسلاميّ. حيث يثبت تاريخ الفكر الإسلاميّ أنّه قد تمّ التمييز بين أصول الفقه وفروعه وأنّه تمّ إعداد مفاهيم ذات صلة مثل: الاختلاف والاتّباع والإجماع والترجيح وتمّ تقييم التقليد بأشكالٍ مختلفة مثل: حرام ومذموم ومباح أو أيضًا التمييز بين درجات الاجتهاد. وسيكون من الضروريّ البحث في هذه المفاهيم المختلفة ذات الصلة. وسيتمّ التأكيد على الخُطب الدينيّة المبرّرة أو الناقدة لهذه الظاهرة وأيضًا علاقتها ببعضها ممّا قد تكون متناقضة في ذاتها مثل نقد الغزاليّ للفلاسفة.9 على ضوء هذا التنافس بين التقليد والاجتهاد ينبغي على الباحثين أن يدرسوا حقيقة الاتّصال المستمرّ بينهما وأنّه حتّى وإنْ كانتْ الطموحاتُ المهيمنة متنافسةً لكنّها ليستْ متعارضة.10

1 Peters, Rudolph, “Idjtihâd and Taqlîd in 18th and 19th Century Islam”, Die Welt des Islams 20, 1980, p. 131‒146.

2 Calder, Norman, “Taḳlid”, The encyclopedia of Islam, new edition, p. 137‒138.

3  Fekry, Ahmed, “Rethinking the TaqlīdIjtihād Dichotomy: A Conceptual-Historical Approach”, Journal of the American Oriental Society, Vol. 136, No. 2, 2016, p. 285‒303.

4 Hallaq, Wael B., “Was the Gate of Ijtihad Closed?”, International Journal of Middle East Studies, Vol. 16, No. 1, 1984, p. 3‒41.

5 Nagel, Tilman, Die Festung des Glaubens. Triumph und Scheitern des islamischen Rationalismus im 11. Jahrhundert, Munich, C. H. Beck, 1988. See : Gilliot, Claude, « Quand la théologie s’allie à l’histoire : triomphe et échec du rationalisme musulman à travers l’œuvre d’al- Ǧuwaynī », Arabica, T. 39, Fasc. 2, 1992, p. 241‒260.

6 Abdul Rahman Mustafa, On Taqlīd. Ibn al-Qayyim’s Critique of Authority, Oxford University Press, 2013.

7 Rapoport, Yossef, “Legal Diversity in the Age of Taqlīd: The Four Chief Qāḍīs under the Mamluks”, Islamic Law and Society, Vol. 10, No. 2, 2003, p. 210‒228.

8  Shahab, Ahmed, What is Islam? The Importance of Being Islamic, Princeton University Press, 2016.

9  Al-Ġazālī, The Incoherence of the Philosophers (tahāfut al-falāsifa), A parallel English-Arabic text, translated, introduced, and annotated by Michael E. Marmura, Provo, Utah, Brigham Young University Press, 2000, p. 2‒3. See: Griffel, Frank, “Taqlīd of the Philosophers: al-Ġazālī’s Initial Accusation in his Tahāfut”, in: Sebastian Günther (ed.), Ideas, Images, and Methods of Portrayal. Insights into Classical Arabic Literature and Islam, Leiden-Boston, Brill, 2005, p. 273‒296.

10  Jackson, Sherman, Islamic Law and the State: The Constitutional Jurisprudence of Shihāb al-Dīn al-Qarāfī, Leiden, E. J. Brill, 1996.

بيار ومحمّد

أدريان كانديار، ٢٠١٨، بيار ومحمّد، نقله إلى العربيّة الأب صلاح أبو جودة اليسوعيّ، بيروت: دار المشرق، ٦٤ صفحة.

أتى محمّد، شابٌّ جزائريّ له من العمر واحدٌ وعشرون ربيعًا، إلى مطار وهران ليصطحب الأسقف بيار كلاڤيري إلى دار المطرانيّة. فقصد كورنيشًا يطلّ على المدينة بانتظار وصول الطائرة، وهناك أخذ يتذكّر الوقت الّذي أمضاه برفقة بيار: فرحُه وفخرُه بأن يكون سائقه، وأحاديثُه معه، والصداقة الّتي جمعتْهما، ولكن أيضًا هواجسُه ومخاوفُه، لأنّ محمّدًا يعلم بالخطر المحدق بسبب ملازمته بيار في بلاد باتتْ فريسة التعصّب والأصوليّة.

في ١ آب ١٩٩٦، بعد انقضاء بضعة أشهر على اختطاف الرهبان الـ«ترابيست» السبعة في ثبحرين، قُتل الأب بيار كلاڤيري أسقف وهران مع مرافقه محمّد بوشيخي. إنّ رواية بيار ومحمّد تكريم لصداقتهما العميقة وإرادة بيار كلاڤيري الراسخة في قيام حوار بين الأديان.

يتبع الرواية نصٌّ لم يسبق أن نُشر بقلم أدريان كانديار، بعنوان: بيار وأنا. التمهيد بقلم الأب چان پول فيسكو، أسقف وهران.

اضغط هنا لشراء هذا الكتاب من موقع دار المشرق الإلكترونيّ.