سمينارات المعهد

مميز

يقدّم المعهد حاليًا أربعة سمينارات:

  1. سمينار عامّ مُخصّص للثقافة العربيّة والإسلاميّة. يتمّ عقد ما يقرب من جلستين خلال الشهر سواءٌ باللغة العربيّة أو الفرنسيّة أو الإنجليزيّة. الحضور مجّانيّ ومفتوح للجميع. اضغط هنا للتسجيل وتلقّي الإعلانات. اضغط هنا لقراءة تقارير الجلسات السابقة.
  2. سمينار مدخل إلى الفلسفة العربيّة مكوّن من ستّ محاضرات للدكتور عزيز هلال. اضغط هنا للمزيد من التفاصيل.
  3. السمينار الثنائيّ بين الأزهر والمعهد في الإسلاميّات مُخصّص لطلّاب جامعة الأزهر الشريف الناطقين باللغة الفرنسيّة وذلك في إطار اتّفاقيّة التعاون بين المعهد وجامعة الأزهر الشريف. اضغط هنا لقراءة تقارير الجلسات السابقة.
  4. السمينار «لوي ماسينيون» للبحث العلميّ مخصّص لأعضاء المعهد.
  5. ندوات دوليّة، في القاهرة أو في أيّ مكان آخر ، والّتي يتمّ نشر أعمالها في مجلة المعهد. اضغط هنا لقراءة تقارير هذه الندوات.

حضور الفارابيّ (٩٥٠/٣٣٩) في الفكر الفلسفيّ الأندلسيّ

د. عزيز هلال

دكتوراه في الفلسفة العربيّة

icon-calendar ٣ أكتوبر ٢٠١٨

يدافع محمّد عابد الجابريّ (ت ٢٠١٠) بشدّة عن فكرة وجود قطيعة معرفيّة في الفكر الفلسفيّ بين المشرق والمغرب. يدّعي الجابريّ أنّ الفكر في المشرق غرق في الغنوصيّة بل في اللاعقلانية، لا سيّما مع ابن سينا (ت ١٠٣٧/٤٢٨). أمّا الفكر في الغرب الإسلاميّ فيرى أنّه يمثّل قمّة العقلانيّة في الفلسفة الإسلاميّة، خاصّةً مع ابن باجّة (ت ١١٣٩/٥٣٣) وابن رشد (ت ١١٩٨/٥٩٥). هذه الرؤية المبسّطة للغاية تغفل تأثير الفارابيّ (ت ٩٥٠/٣٣٩) في الأندلس. يتجلّى هذا التأثير بوضوح في الفلسفة السياسيّة لابن باجّة لا سيّما في رسالته تدبير المتوحّد، وفي تلخيص ابن رشد لكتاب الجمهوريّة لأفلاطون، وكذلك في رسالة حيّ بن يقظان  لابن طفيل (ت ١١٨٥/٥٨١). وبالرغم من أنّ ابن طفيل يتبنّى فلسفة ابن سينا في رسالته ولا يتردّد في إرسال نقدٍ لاذع للفارابيّ —نقدًا لا شيء يُبرّره— فليس بوسعنا إلاّ أن نؤكّد على وجود تطابق في الأفكار بين كتاب حيّ بن يقظان وفكر الفارابيّ. إنّ ابن طفيل مدينٌ بشدّة لفلسفة الفارابيّ السياسيّة، الأمر الّذي يجعل من الصعب فهم انتقاداته للمعلّم الثاني في مقدّمة رسالته حيّ بن يقظان.

ما أعاق استقبال أفكار الفارابيّ في الأندلس هو أنّه ظلّ يعتقد، كما كان هو الحال في المشرق، أنّ أرسطو هو المؤلّف الحقيقيّ لكتاب الأولوچيا، وهو في الواقع ترجمة جزئيّة لتاسوعات أفلوطين، ومن هنا جاءتْ محاولة الفارابيّ اليائسة للتوفيق بين هذا النصّ الأفلاطونيّ وبين ما يعرفه عن أرسطو. سيكشف ابن رشد عن أنّ صاحب الأثولوچيا لا يمكن أن يكون أرسطو. على سبيل المثال، وعلى عكس الفارابيّ، فإنّ ابن باجّة ثمّ ابن رشد تكلّما عن محايثة العقل الفعّال للإنسان، ففي رأيهما أنّ العقل الفعّال ليس متعاليًا ولا مفارقًا للإنسان كما كان يرى الفارابيّ بناءً على نظريّة الفيض الموروثة من الأفلاطونيّة الحديثة.

المبادئ اللاهوتيّة للحوار بين الأديان

چان مارك أڤيلين

أسقف مساعد بمرسيليا

رئيس مجلس العلاقات بين الأديان لأساقفة فرنسا

icon-calendar ١٢ سبتمبر ٢٠١٨

استمع إلى المحاضرة (بالفرنسيّة):

يشمل الحوار بين الأديان واقعين مختلفين للغايّة: ما ترغب السلطات المدنيّة في أن تحقّقه الأديانُ من أجل المزيد من السلام الاجتماعيّ وفي نفس الوقت الطريقة الّتي يعامل بها المؤمنون المؤمنين من الديانات الأخرى وذلك باسم عقيدتهم. إنّ الحدّ من الحوار إلى البُعد الأوّل يخاطر بتخدير الوعي الدينيّ والوعي النقديّ للأديان تجاه هذه السلطات المدنيّة نفسها والأهمّ من ذلك هو خطر تخلّي الأديان عن هذا الحوار والاعتماد فقط على السلطات العامّة لتنظيم الحوار بينها.

إن موقف المسيحيّين من المؤمنين من الديانات الأخرى قد تأثّر بعمق بعلاقتهم باليهوديّة. وعلى العكس من كلّ الإغراءات المرقيونيّة من أجل «تطهير» المسيحيّة من العناصر اليهوديّة الّتي تحتوي عليها، تعترف الكنيسة الكاثوليكيّة بأنّ هويّتها مرتبطة في الأساس باليهوديّة. وقد ورد ذلك بوضوح في بيان المجمع الڤاتيكانيّ Nostra ætate عام ١٩٦٥.

بالإضافة إلى أنّ البابا بولس السادس عرض في رسالته العامّة Ecclesiam suam عام ١٩٦٤ مفهومًا متجدّدًا للوحي بأنّه «حوارٌ خلاصيّ» (colloquium salutis) بين الله والإنسانيّة. يشّجع إذًا بيان المجمع الڤاتيكانيّ Nostra ætate على البحث عن كلّ ما هو حقيقيّ ومقدّس في الديانات الأخرى من خلال حوارٍ صادق ولائق مع المؤمنين من الديانات الأخرى.

اختتم المطران أڤيلين مداخلته بعرض تحدّيين لاهوتيّين رئيسيّين لأولئك الّذين وافقوا على الخوض في هذه المغامرة الروحيّة والفكريّة الصعبة.  التحدّي الأوّل هو التعمّق في لاهوت الروح القدس لنا والّذي قال عنه البابا يوحنّا بولس الثاني في الرسالة العامّة Redemptoris missio عام ١٩٩٠ أنّه حاضرٌ ليس فقط في قلوب البشر إنّما حاضرٌ وفعّالٌ أيضًا في المجتمعات والثقافات والأديان. التحدّي الثاني هو فهم رسالة الكنيسة على أنّها مشاركةٌ بين عمل الروح القدس الّذي يتابع «الحوار الخلاصيّ» وهو الوحي. لذا يجب على الكنيسة أن تدرك أنّها ليستْ منظّمة خيريّة أو أنّها شركة تجاريّة تهدف إلى نموّها بل إنّها تهدف إلى خدمة الحوار بين الله والعالم أجمع.

ابن تيميّة ووجود الله

الأخ / أدريان كانديار

عضو المعهد الدومنيكيّ وطالب دكتوراه في الدراسات الإسلاميّة

icon-calendar ٢٢ مايو ٢٠١٨

حسب الفيلسوف الألمانيّ مارتن هايدجر (١٨٨٩‒١٩٧٦) فإنّ فشل الميتافيزيقا في مشروعها راجعٌ بالأساس إلى الالتباس بين الله والوجود، ذلك الالتباس الّذي تحوّلتْ به الميتافيزيقا إلى لاهوتِ وجودٍ لا نفع له. هذا التصوّر ينطبق بلا شكّ على ابن سينا (ت ١٠٣٧/٤٢٨) الّذي يرى أنّ دليل وجود الله يستند إلى ضرورة انتهاء سلسلة الأسباب إلى سببٍ أوَّلَ لا سببَ له. فالله على ذلك هو الموجود الواجب الوجود الّذي لا سبب له في وجوده غيرُ نفسه.

يُعدّ هذا البرهانُ على وجود الله غيرَ مقبول عند ابن تيميّة (ت ١٣٢٨/٧٢٨) ليس لأنّ الأداة المنطقيّة متجذِّرةٌ في بنيته الاستدلاليّة فحسب، وهي الأداة البشريَّة التي تعجِزُ عن بلوغ حقيقة الله، بل لأنّ الأداة المنطقيَّة نفسَها لا تصلح إلّا داخل عالم المنطق المغلق، الّذي لا يمتلك قدرةً حقيقيّةً على التعبير عن حقيقة وجود الله.

من بين جميع ردود ابن تيميّة الفلسفيّة فإنّ ردّه على أبي يعقوب السجستانيّ (ت بعد ٩٧١/٣٦١) في درء تعارض العقل والنقل مشوّق بشكلٍ خاصّ. إذ ينتقد السجستانيُّ في كتابه المقاليد الملكوتيّة وصفَ ابنِ سينا لوجود الله بأنّه واجبٌ، لأنّ وصف وجود الله بالوجوب يقتضي التركيب في حقيقة الله من الوجود والوجوب وذلك يستلزم حدوث الله، وهو ممتنع. ينتقد ابن تيميّة موقف السجستانيّ لأنّه يستلزم المنعَ من وصف الله بالوجود والعدم على السواء، وفي ذلك رفعٌ للنقيضَين وهو ممتنعٌ بحسب قانون المنطق نفسه.

هذا التناقض بالنسبة لابن تيميّة يقوم على خطأ مشترك بين جميع الفلاسفة، هذا الخطأ مبنيٌّ على اعتقاد أنّ معنى الوجود متحقِّقٌ في الخارج كليًّا. إلا أنّ ابن تيميّة يرى أنّ الوجود معنًى كلّيٌّ شأنه في التحقّق شأن بقيّة الكلّيّات الّتي لا توجد إلّا في الأذهان ولا تتحقَّق خارجًا على هيئتها الكلّيّة. وعليه، يرى ابن تيميّة أنّه لا فائدة من الاعتماد في الاستدلال على وجود الله على طريقةٍ مفاهيميّة لا يمكنها أن تدُلَّ على وجودٍ فعليٍّ معيَّن. علينا بدلًا من ذلك أن نعتمد على طريقٍ مباشر. إنّ الإنسان يجد من نفسه بالضرورة إقرارًا بوجود الله، هذه الضرورة الداخليّة هي الفطرة. فالفطرة هي الهادية والدالّة على وجود الله، ولا حاجة إذن إلى استعمال المفاهيم الكلّيّة لإثبات وجود الله. أمّا إذا أنكر إنسانٌ وجود الله فلأنّه ببساطة ‒ عند ابن تيميّة ‒ مشوَّه الفطرة.

إنّ الإشكال مع هذه النظريّة الاسميّة لابن تيميّة هي عدم قابليّتها للنقد ومصادرتها على المخالف، إذ إنَّ كلّ مخالف لها ستكون مخالفته دليلًا على أنّ فطرته غير سويَّة.

التقدّم الروحيّ والتقدّم الفكريّ

ندوة مشتركة بين جامعة الأزهر الشريف والمعهد

icon-calendar ٧ مايو ٢٠١٨

في يوم ٧ مايو عُقد لقاءٌ جديد من اللقاءات المشتركة بيننا وبين جامعة الأزهر الشريف وذلك في كلّيّة اللغات والترجمة (بنين). تناولنا أثناء هذا اللقاء موضوع «الإيمان والعقل» من خلال التعليق على نصٍّ للداعية المصريّ الشهير محمّد الغزّاليّ (١٩١٧‒١٩٩٦) ركائز الإيمان بين العقل والقلب، ١٩٧٤. وعنوان الفصل الّذي قمنا بدراسته هو «التفاوت بين التقدّم الروحيّ والتقدّم الفكريّ».

في هذا الفصل، يدعو الكاتب أوّلًا إلى تديّنٍ لا يضرّ بالإنسان وتقدّمه. ثمّ يقوم بوصف العالَم المعاصر الّذي ضاع في مادّيّةٍ عقيمة وعقلانيّةٍ ضالّة بعيدة عن الإيمان بالله ثمّ يعترض على أنّ اليهوديّة أو المسيحيّة أو الإسلام استطاعتْ تقديم إجابات مقنعة اليوم حول التوازن الروحيّ للإنسان. يختتم الكاتب بدعوة إلى التطبيق إسلامٍ حقيقيّ أكثر يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.

قام المتكلّمون الثلاثة بعرض جوانب متعدّدة للنصّ: ناقش الأخ / چون درويل البناء الأدبيّ للنصّ تمّ أوضحتْ الأستاذة / هبة محروس كيف أنّ رؤية المؤلّف كانتْ جزءًا من سياقٍ إسلاميّ أوسع ثمّ أوضح الأستاذ / أحمد الشمليّ مكانة هذا الفصل في الكتاب ككلّ.

أثارتْ المناقشة الّتي تبعتْ المداخلات الثلاثة الأسئلةَ التالية: هل يمكن أن يكون نصٌّ ذو طابعٍ دفاعيّ أفضلَ مدخل لمناقشةٍ فلسفيّة وعقائديّة؟ كيفيّة تناول التعميمات الّتي تميّز الأسلوب الأدبيّ للوعظ؟ كيفيّة تقييم استخدام العلوم الإنسانيّة داخل النصّ؟ مجرّد رجوع الكاتب إلى مفكّرين غير مسلمين (آرنولد توينبي وألكسي كاريل) يعدّ دليلًا على الانفتاح في حدّ ذاته ولكنّ على مستوى صياغة النصّ، يبدو أنّ المؤلّف لا يعطي أهمّيّة للعلوم الإنسانيّة لمعرفة من هو الإنسان وأنّه من الأفضل أن يثق في الله لتحقيق هذه المعرفة. أخيرًا يبدو أنّ الكاتب يعتبر ببساطة أن «العقل» هو «الإسلام» و«الإسلام» هو «العقل» فمن الطبيعيّ أن يؤدّي ذلك إلى تلاشي التناقض ما بين العقل والإيمان. نتيجةٌ أخرى لاعتبار أنّ «الإسلام» هو «العقل» هي رفض أن تكون الأديان الأخرى عقلانيّة.

أخيرًا يُعدّ إقرار الإمام الغزّاليّ بضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غامضًا للغايّة لأنّه لا يبالي مطلقًا بالتأكيد على صعوبة التمييز بين الخير والشرّ في حالاتٍ محدّدة.

رواية الشعر: من السياسة إلى التأريخ

نوعمي لوكا

طالبة دكتوراه في جامعة باريس بانتيون-سوربون

icon-calendar ٣٠ أبريل  ٢٠١٨

روى أحمد بن يحيى البلاذري (ت ٨٩٢/٢٧٩) في كتابه أنساب الأشراف قصّة حفر تهر المبارك على يد والي العراق خالد بن عبد الله القسريّ (ت ٧٤٣/١٢٦) والّذي أشاد به الشاعر الفرزدق (ت ٧٢٨/١١٠؟) ثمّ هزأ به بعد ذلك لعدم مكافأته على مديحه الأوّل. سُجن الفرزدق بسبب هذا الهجاء ثمّ أطلق سراحه أخيرًا الخليفة هشام بن عبد المالك (حكم ١٠٥‒١٢٥ / ٧٢٤‒٧٤٣) بعد أن قال فيه شعرًا يمدحه.

يتضمن نصّ البلاذري أبيات الفرزدق المذكورة أعلاه في روايته التاريخيّة. فما علاقة النصّ بالأبيات؟ هل الأبيات مجر​ّ​د تمثيل للنصّ يمكن الاستغناء عنها أم هي المتن الّذي يقصد أصلًا البلاذري شرحه من خلال النصّ؟

وممّا يدعم هذا الانطباع، على سبيل المثال، أنّ السياق الّذي يعطيه أبو الفرج الأصفهاني (ت بعد ٩٧٢/٣٦٢) لنفس الأبيات في كتابه الأغاني يختلف تمامًا عن رواية البلاذريّ.

تكمن الحقيقة بين هاتين الرؤيتين المتطرّفتين، الأبيات كتوضيحٍ أم الأبيات كمتن. يلعب الشعر دورًا رئيسيًّا في ثقافة ما قبل الإسلام ثمّ في الإسلام. فالشعر يعظّم شخصًا ما​ أو يشو​ّ​ه صورته​. الشعر يسجّل الأحداث ويدوّن التاريخ ويعتمد على سلطة ​شعراء مرهوبين ​ومحترمين في آن​ٍ​ واحد ​كما أنّ للشعر دورًا جماليّا…

بعبارة​ٍ​ أخرى، الأبيات والنصّ يكوّنان معًا روايةً واحدة وعلى الباحث أن يأخذ الاثنين في عين الاعتبار عند قراءة هذه المصادر التاريخيّة وتفسيرها.

التفاعلات بين الشيعة الاثني عشريّة والمسيحيّين: تاريخ وعقيدة وأدب

icon-calendar ١١‒١٣ أبريل ٢٠١٨

نظّم المعهد الدومنيكيّ بالشراكة مع معهد علوم الأديان ولاهوتها في باريس ومجموعة من الباحثين المتخصّصين في تاريخ التبشير ندوةً في الفترة من ١١ إلى ١٣ أبريل حول موضوع «التفاعلات بين الشيعة الاثني عشريّة والمسيحيّين» بدعم من «جمعيّة أصدقاء المعهد» والمؤسّسة الكاثوليكيّة الفرنسيّة «خدمة الشرق». وقد شارك في هذه الندوة العديد من كبار المتخصّصين، بما في ذلك الأستاذ رودي ماتي والأستاذ فرانسيس ريشار. كما شارك وفدٌ من العلماء جاؤا من العراق ومن دار العلم للإمام الخوئيّ.

ومع تركيز الاهتمام على التفاعلات، هدفتْ هذه الندوة إلى استكشاف الرحالات، وكتابات المبشّرين، والنصوص الدينيّة، وتقارير السفارات والمخطوطات، من أجل التساؤل حول طبيعة النظرة للآخر وأنواع التبادل والعلاقات بين الجماعات. تناولتْ الندوة أيضًا مسألة الكشف عن تطّور الهويّات بفضل هذه التفاعلات في سياقات سياسيّة متعدّدة وفقًا للفترات الزمنيّة.

لقد أثبتنا وجود العديد من عمليّات النقل الّتي أُمكن تحقيقها ليس فقط بسبب الضرورة الدينيّة للشيعة، ولكن أيضًا بسبب التقارب الدينيّ والروحيّ المتعلّق بفلسفة الفداء وافتتان الشيعة بمفهوم الله كمحبة. كما تمّ مناقشة الحجج الاقتصاديّة، لأنّ غياب الدعم من أوروبّا أجبر الجماعات التبشيريّة الرهبانيّة على التبادل التجاريّ والاقتصاديّ في العالم الّذي كانتْ تعيش فيه وفي بعض الأحيان على حساب كسر القواعد الخاصّة بهذه الجماعات. كما أنّ المسائل السياسيّة لعبتْ دورها فالتنافس بين العثمانيّين والمغول والصفويّين تطلّب التحالف مع المسيحيّين الأمر الذّي أدّى إلى الصداقة وتقدير الآخر. كما ناقشتنا ليس فقط فضول الشيعة تجاه المسيحيّة بل تعاطفهم وشغفهم بها.

لكن، وبعيدًا عن أيّ رغبة في إضفاء طابع مثاليّ على الماضي، شهد التاريخ أيضًا وجهات نظر أخرى منحازة وأخرى سلبيّة في بعض الأحيان فمن الناحية التاريخيّة طالب بعض العلماء في فترات تاريخيّة معيّنة بتهجير المسيحيّين أو اعتناقهم الإسلام. أشرنا مرارًا وتكرارًا إلى الحالة المأساويًة للأرمن وهيمنة الجدالات. انتشرتْ كتب الجدالات، سواء كانتْ هذه الجدالات حقيقيّة أو خياليّة، خارج الإمبراطوريّة وانتشرتْ معها حجج ادعائيّة خرجتْ عن السياق التاريخيّ في تلك الفترة. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديّين، تمّ إضفاء طابع سياسيّ وعدوانيّ أيضًا على تلك الجدالات بمعنى أنّها كانتْ بناءً على طلبٍ من الدولة ممّا يشهد على تسييس العلاقات بين الشيعة والمسحيّين.

ناقشنا أيضًا موضوع الأنشطة التبشيريّة المسيحيّة والّتي تختلف طبيعتها حسب الرهبانيّة الّتي تنظّمها مثل الفرنسيسكان والكرمليّين واليسوعيّين.  في مواجهة عدم اعتناق المسلمين للمسيحيّة، تساءل المبشّرون حول عدّة نقاط وهي: تكوينهم الدينيّ، وحاجتهم إلى تطوير حجج جديدة، ودور الّذين اعتنقوا المسيحيّة في التبشير، والأقاليم الّتي لها أولويّة، والاستناد على المتصوّفين والتراث الشعريّ الفارسيّ…

يبدو التبادل الثقافيّ والروحيّ والدينيّ واضحًا على بعض المستويات وهي: التشفّع بالقديسين، التأثر بالفن، كما لاحظنا كتابة قول «بسم الآب والابن والروح القدس» في نسخ الإنجيل على مثال البسملة…

وأخيرًا، هل سمحتْ هذه التبادلات والتفاعلات بمعرفة الآخر بشكلٍ أفضل؟ بالتأكيد نعم ولكنّ تقارير المبشّرين والرحلات والأعمال الدينيّة غالبًا ما تكشف عن معرفة منحازة بغض النظر عن الرغبة في جعل الآخر معروفًا بطريقة أفضل.

سوف تُنشر أعمال هذه الندوة في مجلّة المعهد عدد ٣٥ (٢٠٢٠).

نظريّة ابن تيميّة في المعرفة

ندوة مشتركة بين جامعة الأزهر الشريف والمعهد

icon-calendar  ٢٢ مارس ٢٠١٨

اخترنا في هذه الجلسة الجديدة من الندوة المشتركة بين المعهد وجامعة الأزهر الشريف التعليق على نفس النصّ، من أجل إبراز عمليّة التفسير والمقارنة بين منهج كلّ منّا. فقد اخترنا مقطعًا من نصٍّ لابن تيميّة علّق عليه ثلاثةُ باحثين: الأخ / أدريان كانديار، عضو المعهد، والسيّدة / هبة الزفتاويّ، أستاذ مساعد، والسيّد / زياد فاروق، أستاذ بالكلّيّة.

يُعدّ ابن تيميّة (ت ١٣٢٨/٧٢٨) كاتبًا مُكثِر للغاية وقد قضى حياته في كتابة رسائل وفتاوى هاجم من خلالها بقسوةٍ علماء عصره وبالأخصّ الشيعة والمسيحيّين والصوفيّين من مدرسة ابن عربيّ (ت ١٢٤٠/٦٣٨). إنّ ابن تيميّة، ذلك الرجل ذو الذكاء الحادّ، ينتقد التراث الإسلاميّ التقليديّ لأنّه لم يصل لأيّة نتيجة يقينيّة متعلّقة بمعرفة الله لكنّه وصل فقط إلى الخصومات والتعصّب المذهبيّ والأوهام حول المعرفة الإلهية.

يعرض ابن تيميّة في المقدّمة التمهيديّة المطوّلة لكتابه درء تعارض العقل والنقل مبرّرًا لإمكانية وصول العقل البشريّ إلى المعرفة الإلهية بطريقة سليمة، كما يعرض فيه منهجًا عقلانيّا حتّى لا يضلّ الطريق. يتميّز ابن تيميّة كذلك وفي آنٍ واحد عن الأشاعرة ويمثّلهم فخر الدين الرازيّ (ت ١٢٠٩/٦٠٦) والّذين يعطون الكلمة الأخيرة للعقل، وكذلك يتميّز عن الحنابلة الّذين هو نفسه تلميذٌ لهم ويمثّلهم ابن قدامة (ت ١٢٢٣/٦٢٠) والّذين يعطون الكلمة الأخيرة للنقل، وذلك لأنّ ابن تيميّة ينتقد فكرة حصر اختيار الناظر في واحدٍ من الاثنين، إذ العقل والنقل الموحَى به لا يتعارضان في ذاتيهما، بل هما معبّران معًا عن الحقيقة الإلهية.

ويستند هذا الأسلوب المعرفيّ الّذي اكتشفه ابن تيميّة إلى المبدأ القائل بأنّ الشيء الوحيد المؤكّد والحقيقيّ هو الله نفسه، فطريق الوصول إلى المعرفة الإلهية هو الوحي المخاطَب به العقل البشريّ. وإذا كان حقيقة الذات الإلهية تفوق المقدرة العقليّة البشريّة فإنّ طرائق القياس المنطقيّ لن تكون صالحة في هذا الباب برمّته مثل «القياس الشموليّ» و«القياس التمثيليّ»،

لكن ابن تيميّة يعتمد على طريقة «قياس الأولى» وهو قياس وجد ابن تيميّة أصوله واستخداماته في القرآن والسنّة في باب المعرفة الإلهية، وبقياس الأولى يكون كلّ كمال لا نقص فيه بوجهٍ من الوجوه فالله أولى أن يتّصف به. وبذلك يتجاوز ابن تيميّة جدل ثنائيّة التنزيه والتشبيه في الصفات الإلهيّة.

والأهمّ من ذلك أنّ ابن تيميّة يرفض أيّ تفكير قد يكون لعبةً منطقيّة لغويّة فقط. فيرى أنّ الانطلاقَ من نصّ موحى به أيّ القرآن الكريم والحديث الشريف هو السبيل الأصوب، وذلك من أجل بناء تفكيرٍ منطقيّ. بعباراتٍ أخرى، إنّ ابن تيميّة لفظيّ، يرفض الخلط بين الحقائق العقليّة والواقع، وينتقد علماء الكلام، من الأشاعرة والحنابلة على السواء، لأنّهم يعتقدون أنّ ثمار استنتاجاتهم تعبّر عن بعض الحقائق عن الله. من الناحية العمليّة، يمكن القول إنّ ابن تيميّة يقوم بقياسٍ مبني على النصّ الموحى به وليس على الحقائق «المطلقة» الّتي وضعها العقل البشريّ.

أكدّتْ المداخلات الثلاث على نقاطٍ مختلفة تاريخيّة كانتْ أم عقائديّة. وأوضحتْ المناقشة أنّ الأشعريّة هي المدرسة الرسميّة لعلم الكلام الّتي يتبعها الأزهر الشريف. وقد تطوّرتْ هذه المدرسة بحيث لم تعُد انتقادات ابن تيميّة في القرن الثامن الهجريّ/الرابع عشر الميلاديّ مناسبةً لها اليوم. من ناحيةٍ أخرى، يتمّ تدريس جميع مدارس علم الكلام في الجامعة في كلّيّة أصول الدين وليس فقط المدرسة الأشعريّة.

المسألة الّتي ختمنا بها النقاش هي مكانة الإيمان بين العقل والنقل. وهو ما سيكون موضوع اجتماعنا القادم في نهاية شهر أبريل إن شاء الله.

ظهور الحديث النبويّ كمرجعيّة علميّة ما بين القرن الرابع والقرن الثامن الهجريّين

icon-calendar ١١‒١٣ يناير ٢٠١٨

في أيّام ١١، ١٢ و١٣ يناير نظّم المعهد الدومينيكيّ بالتعاون مع المعهد الفرنسيّ ندوةً دوليّة عن موضوع الحديث النبويّ. كان هناك ضيفا شرف وهما د. عائشة جايسنجر من جامعة كارليتون والأستاذ د. وليد صالح من جامعة تورونتو.  تمّ عرض ٧ مداخلات باللّغة العربيّة في اليوم الأوّل و٥ مداخلات باللّغة الإنجليزيّة في اليوم الثاني ثمّ في اليوم الثالث تمّ عقد ورشتي عمل واحدة باللّغة العربيّة وواحدة باللّغة بالإنجليزيّة. ها هي النقاط الرئيسيّة الّتي تمّتْ مناقشتها خلال الندوة:

١-تساؤلات في مناهج البحث: كيفيّة دراسة الحديث النبويّ الشريف اليوم. كمحتوى أدبيّ وكمصدر للشريعة وكوسيلة للتقوى تربط قرّاء الحديث النبويّ بشخص النبيّ وكشاهد على سياقٍ تاريخيّ معيّن…

٢-التساؤل حول شرعيّة الرجوع للعلوم الإنسانيّة المعاصرة لتحليل النصوص المقدّسة مثل الحديث النبويّ والقرآن الكريم بطريقةٍ علميّة.

٣-مسألة النقد التاريخيّ: ما مدى شرعيّته؟ ما هي مجموعات الأحاديث المعترف بها؟ هل يجوز إعادة تقييمها، الإسناد أم المتن أم الاثنين معًا؟ بأيّ منهج؟ وبأيّ هدف؟

٤-مسألة الفئات المهمّشة في تاريخ الحديث النبويّ: الأصوات الّتي لم يتمّ التعبير عنها مثل صوت المرأة والأقلّيّات…كيف يمكننا كتابة تاريخًا يأخذ بعين الاعتبار ما هو غير موثّق مثل وجهة نظر أولئك الّذين تمّ السيطرة عليهم أو الّذين تمّ إسكاتهم؟

٥-مسألة العقل الّذي يفتقر في اللّغة العربيّة لتعريفٍ عمليّ ممّا يسمح لكلّ شخص بالادعاء بأنّه هو فقط عقلانيّ ويرفض أنّ الأخر هو أيضًا له عقلانيّة. ويبدو أن الباحثين في الواقع غالبًا ما يخلطون بين «العقل» كمقدرة وبين «العقلانيّة» كاستخدام لهذا العقل.

٦-كما أنّ وجود عدّة أشخاص من الأقلّيّات المسلمة خلال الندوة (واحد عُمانيّ من الطائفة الإباضيّة واثنان من السعودية من الطائفة الإسماعليّة واثنان من شيعة العراق) قد فتح باب النقاش حول القراءات المختلفة للحديث النبويّ.

٧-مسألة «الإعجاز العلميّ» (انظر موريس بوكاي)، الّتي لا تزال تجد أنصارًا لها في القرآن الكريم وكذلك في الحديث النبويّ.

الجلسة الختاميّة

وخلال الجلسة الختاميّة أكّد وليد وعائشة على نقطةٍ أو أخرى من هذه النقاط. فموضوع ظهور الحديث النبويّ كمرجعيّة علميّة لم يتمّ تناوله في حدّ ذاته. فإذا كان روچيرو ڤيمركاتي قد تناول البُعد المعرفيّ لهذه المرجعيّة من أجل ربطها روحيًّا بشخص النبيّ وليس فقط بطريقة معرفيّة، فإنّ المداخلات الأخرى تناولتْ مسألة مرجعيّة الحديث في أيّ سياق وأي علم ولدى أيّ مؤلّف. غير أنّه لم تتناول أيًّا من هذه المداخلات هذا الموضوع على مدى فترة طويلة من الزمن ولم تحاول ورش العمل أو الجلسة الختاميّة القيام ذلك. من أكثر الجوانب الهامّة للغايّة في هذه الندوة أنّها جمعتْ بين باحثين يدرسون في الغرب وباحثين مصريّين ممّا قد يفسّر الأهمّيّة الّتي نالتْها التساؤلات حول مناهج البحث خلال ورش العمل.

ستُنشر أعمل هذه الندوة في مجلّة المعهد عدد ٣٥ (سنة ٢٠١٩).

لن ينجو أحدٌ من الدنيا إلّا إذا نجونا جميعًا

جيوم ديڤو

دكتور في الفلسفة وعضو المعهد الدومنيكيّ

icon-calendar ١٢ ديسمبر ٢٠١٧

من المستحيل الإقرار بالتأكيدات الثلاثة التالية في ذات الوقت: «يريد الله نجاة كلّ البشر»، و«يوحي الله للبشر بطريق النجاة»، و«مَن لا يسير في هذا الطريق لا يمكن أن ينجو». إمّا أن الله يريد نجاة الجميع وفي هذه الحالة لا يمكن أن يفرض على البشر طريقًا واحدًا؛ إمّا أنّه يفرض طريقًا محدّدًا وفي هذه الحالة يخاطر الله بأنّ بعضًا من البشر لن يسير في هذا الطريق. وفي كلتا الحالتين مهما كان الطريق الموحى به فلن يكون إلّا لجماعةٍ معيّنة وفي زمنٍ معيّن مُدينًا بذلك مَن عاش قبل هذا الوحي الإلهيّ أو بعيدًا عنه.

يقدّم مؤّلف رسائل إخوان الصفاء، مَن يعتقد جيوم ديڤو أنّه اكتشف أنّه أحمد بن الطيّب السرخسيّ (ت ٨٩٩/٢٨٦)، حلًّا جديدًا في سياقٍ إسلاميّ. فبالنسبة له العالم مبنيٌّ على علاقات تكامليّة: لا يستطيع واحدٌ بمفرده جمع كلّ المهارات، ولكنّ معًا لدينا كلّ المهارات. هذا المبدأ من التكامل صالحٌ ليس فقط في الحياة الدنيا ولكنّ أيضًا في الآخرة: لن تتحقق النجاة بشكلٍ فرديّ إنمّا تتحقّق بشكلٍ جماعيّ، كلّ واحدٍ وفقًا لمعتقداته الدينيّة، لأنّ دخول الجنة يتجاوز ما يمكن لكلّ منا تحقيقه بفرده.