دعوة إلى تقديم مقالات لمجلّة المعهد الدومنيكيّ، العدد ٤٣ (٢٠٢٨)

سيبويه ومعارف عصره
التأثيرات، والحوارات، والانتقادات والإرث

يُعَدّ سيبويه (ت. نحو ١٨٠/٧٩٦)، بوصفه شخصيّةً مؤسّسة لعلم النحو العربيّ، من أبرز الأعلام في تاريخ الفكر الإسلاميّ. وليس الكتاب، وهو عملٌ ضخم لا سابقة معروفة له، مجرّد محاولةٍ لتقعيد اللغة العربيّة، بل هو أيضًا ملتقى تتقاطع فيه التقاليد الشفويّة، والممارسات الفيلولوجيّة، والاستدلالات القياسيّة، والتأمّلات المنطقيّة، والنقاشات النظريّة حول اللغة والمعنى والمعيار. وقد قال أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد (ت. ٢٨٥/٨٩٨) عن هذا العمل (انظر البغداديّ، الخزانة ١، ٣٧١): «لم يُعْمَل كتابٌ في علم من العلوم مثلُ كتاب سيبويه، وذلك أن الكتب المصنَّفة في العلوم مُضْطَّرة إلى غيرها، وكتاب سيبويه لا يحتاج من فهمه إلى غيره».

فهل يُمكن اعتبار الكتاب نسقًا مغلّقًا مكتفيا بذاته، لا سابقة له ولا شيخ؟ إنّ وضع الكتاب في سياق الشبكات الفكريّة في البصرة والكوفة يُظهر بوضوحٍ أنّ التراث النحويّ السابق عليه، وكذلك المعارف المنقولة عن قرّاء القرآن، والشعراء، بل وحتّى النحاة المجهولين الّذين يذكرهم، فضلًا عن شيوخٍ مثل ابن أبي إسحاق (ت. ١١٧/٧٣٥؟)، وعيسى بن عمر (ت. ١٤٩/٧٦٦)، وأبي عمرو بن العلاء (ت. ١٥٤/٧٧١؟)، والخليل بن أحمد الفراهيديّ (ت. ١٧٠/٧٨٦؟)، وهارون بن موسى (ت. ١٧٠/٧٨٦)، ويونس بن حبيب (ت. ١٨٢/٧٩٨)، قد تركتْ جميعها أثرها الفعليّ في هذا العمل. ومن ثمّ فإنّ الكتاب بعيدٌ كلّ البعد عن أن يكون «نيزكًا» سقط دون مقدّمات، بل يندرج، على العكس، في شبكةٍ كثيفة من التأثيرات والممارسات العلميّة والتراث الفكريّ الّذي سبقه ومهّد له.

ويمكن كذلك العودة إلى مسألة التأثيرات غير العربيّة المحتملة على سيبويه، وهي مسألةٌ قديمة لكنّها ما تزال مفتوحة: هل ينبغي إعادة فتح ملف التأثيرات الفلسفيّة اليونانيّة والهنديّة، ولا سيّما المنطق الأرسطيّ، باعتبار أنّ سيبويه كان فارسيّ الأصل؟ أم ينبغي، على العكس، الدفاع عن أطروحة نحوٍ عربيّ أصيل، متجذّرٍ بعمقٍ في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، وموروثٍ عن شيوخٍ مثل الخليل؟ وفي هذا السياق تبرز أخيرًا مسألة وضع المصطلح في الكتاب: أهي استعمالٌ راسخ في عصره، أم إنشاءٌ استورده سيبويه وأدخله في صميم اللغة العربيّة؟

سيتمّ إعطاء الاهتمام أيضًا لمجالات المعرفة العربيّة الّتي ساهم سيبويه في تأسيسها: طريقةٌ جديدة للتفكير في اللغة، وانتظاماتها واستثنائها، وعلاقتها بالعقلانيّة، إضافةً إلى تأثيره الدائم على علم النحو. لقد أسّس الكتاب —كأوّل جمعٍ شامل ومؤسّس للنحو العربيّ وأساس من أسس المدرسة البصريّة— مبادئ ما تزال سارية المفعول حتّى اليوم. لكن هل يتجاوز أثره المجال اللغويّ وحده؟ يمكن الإشارة على وجه الخصوص إلى أصول الفقه الّتي استندتْ، على ما يبدو، إلى هذا العمل في وضع قواعدها، في سياقٍ مرتبط ارتباطًا وثيقا بالحديث والفقه. كما يمكن الإشارة إلى تأثير مفاهيم مثل «العامل» وإدخال مفاهيم تفسيرية كـ«الإضمار» و«الحذف». ومن هنا تبرز مسألة كيفيّة تأثير نحو سيبويه في تنظيم معارف أخرى في التراث الإسلاميّ، كالبلاغة والفقه وعلم التفسير إلخ، وبأيّ آليات مفهوميّة تمّ ذلك.

وأخيرًا، سيولي الملفّ الموضوعيّ اهتمامًا مركزيّا بالنقد الموجَّه إلى سيبويه، سواءٌ كان نحويًّا أو منهجيّا أو إبستمولوجيّا: النزاعات مع المدرسة الكوفيّة، والاعتراضات الّتي قدّمها النحاة اللاحقون، فضلًا عن النقاشات الأوسع حول مشروعيّة القياس والسماع والمعيار. وسيتمّ تناول هذه الانتقادات ليس كمجرّد خلافاتٍ تقنيّة، بل كتعبير عن تصوّراتٍ متنافسة للمعرفة اللغويّة، وغالبًا ما ترتبط بتخصّصاتٌ أخرى مثل الفقه والمنطق والتفسير.

وفي هذا الإطار، يسعى الملفّ الموضوعيّ إلى وضع سيبويه ضمن تاريخٍ عرضيّ للمعارف، مع الانتباه إلى عمليّات التداول بين النحو والفلسفة والمنطق وعلم الكلام والعلوم الشرعيّة.

المحاور الموضوعيّة

المحور الأوّل – المعارف الّتي تلقّاها سيبويه: التقاليد، والشيوخ والسياقات

يركّز هذا المحور على الإرث الفكريّ الّذي غذّى عمل سيبويه: التراث الشفويّ العربيّ، الشعر الجاهليّ والإسلاميّ، قراءات القرآن، تعليم الخليل، والممارسات العلميّة في البصرة. يمكن للمساهمات أن تبحث في طبيعة هذه المعارف (شفويّة/تحريريّة، معياريّة/وصفيّة) وكيفيّة ترتيبها داخل الكتاب.

المحور الثاني – التأثيرات غير العربيّة المحتملة في كتاب سيبويه

أُلِّف الكتاب في سياقٍ فكريّ متعدّد، تميّز بتداول الأساليب والمفاهيم المأخوذة من تقاليد مختلفة كانتْ موجودة في العراق العبّاسيّ في القرن الثاني الهجريّ / الثامن الميلاديّ. يسعى هذا المحور إلى تقييم مدى دمج العمل، عن قصد أو غير قصد، لتأثيراتٍ غير عربيّة، وكيف أُعيد تشكيل هذه التأثيرات في خدمة مشروعٍ لغويّ عربيّ أصيل.

المحور الثالث – سيبويه كمؤسّس: المفاهيم، والأساليب والابتكارات

يتناول هذا المحور مساهمات سيبويه الخاصّة: التصوّر النحويّ، استخدام الاستدلال القياسيّ، وضع الاستثناء، والعلاقة بين الشكل والمعنى. يمكن للمساهمات أن تحلّل الأثر النظريّ لعمله ودوره في تأسيس النحو كعلم مستقلّ.

المحور الرابع – النقد، والجدل والمعارف والمنافسة

يفحص هذا المحور الانتقادات الموجّهة إلى سيبويه من قبل معاصريه ومن بعدهم: المدرسة الكوفيّة، والنحاة اللاحقون، والاعتراضات على خياراته المنهجيّة. سيتعلّق الأمر بفهم الأسس المعرفيّة الأخرى الّتي تُصاغ باسمها هذه الانتقادات —سواءٌ تعلّقت بالاستعمال الحيّ للغة، أو بالتقليد المحلّيّ، أو بالمنطق، أو بعلم الكلام— وما تكشفه هذه الانتقادات عن طبيعة السجالات الإبستمولوجيّة في تلك المرحلة.

المحور الخامس – التلقّي والتداولات متعدّدة التخصّصات

يستكشف هذا المحور الأخير تلقّي سِيبَوَيْهِ في القرون اللاحقة، من حيث أثره في النحو العربي الكلاسيكي، وصلاته بعلم المنطق، وأصول الفقه، والتفسير القرآني، وكذلك بفلسفة اللغة. كما يمكن للمساهمات أن تتناول موقع سِيبَوَيْهِ في السرديات الحديثة لتاريخ علوم اللغة.

إجراءات تقديم المقالات

يجب أن تُقدَّم المقالات وفق الصياغة المطلوبة من قبل مجلّة المعهد الدومنيكيّ (راجعوا هنا التوصيات للمؤلّفين…) وستخضع لعمليّة القبول الاعتيادية في المجلّة (تقييم من قبل المحكمَيْن بنظام التحكيم المزدوج المجهول).

يُرجى إرسال المقالات قبل ٣١ ديسمبر ٢٠٢٦ إلى العنوان التالي: jean.druel@ideo-cairo.org

من المقرّر نشر المجلّد في شهر يونيو ٢٠٢٨.

المحرّران المسؤولان عن الملفّ الموضوعيّ: د. جون درويل ود. عزيز هلال. 

ببليوغرافيا

١) المصادر

خزانة          البغداديّ (ت. ١٠٩٣/١٦٨٢) عبد القادر بن عمر، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، المجلّد الأوّل، تحقيق عبد السلام محمّد هارون، القاهرة: دار الكتاب العربيّ، ١٣٨٧/١٩٦٧.

٢) الدراسات الحديثة المتعلّقة بالملفّ

إدريس مقبول (٢٠١٥). سيبويه معتزليا: حفريّات في ميتافيزيقا النحو العربيّ. الدوحة وبيروت: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.

رمزي بعلبكّيّ (٢٠٢٥). مقوّمات النظريّة اللغويّة العربيّة. بيروت: الجامعة الأمريكيّة.

رهام إبراهيم عبد الله الغامديّ (٢٠٢٣). اهتمام شرّاح كتاب سيبويه بنسخ الكتاب والفروقات بينها في أبواب أبنية الأسماء الصحيحة. فكر وإبداع ١٤٩، ٤٠٩‒٤٢٣.

سعيد جاسم الزبيديّ (٢٠٢٢). الكتاب بين الخليل وسيبويه. مجلّة المجمع العلميّ العراقيّ ٦٩/ ١، ١٦٩‒١٧٨.

سليمان بن إبراهيم العايد (٢٠١٥). سيبويه مؤسّس للنحو العربيّ أم مصنّف له؟ قراءةٌ جديدة في تفسير نشأة النحو العربيّ. الحجّة (مرّاكش) ١، ١٤‒٤٣.

سليمان بن عبد العزيز بن عبد الله العيونيّ (١٤٤٢/٢٠٢١). حواشي كتاب سيبويه. الرياض: دار الطيبة الخضراء.

عائشة جمعيّ (٢٠١٦). الحذف النحويّ عند سيبويه في ضوء النظريّة الخليليّة الحديثة. إربد: عالم الكتب الحديث.

محمّد جمعة الدِّربيّ (٢٠٢١). الاستقراء الناقص في كتاب سيبويه. مجلّة المجمع العلميّ العراقيّ ٦٨/ ٢، ٥‒٢٤.

محمّد جواد النوريّ (٢٠١٦). التفكير الصوتيّ عند سيبويه في ضوء علم اللغة الحديث. القدس: دار الجنديّ.

محمّد رقيد (٢٠٢٤). النظريّة العامليّة السيبويهيّة: حدود القراءة. مرّاكش: ركاز.

هادي حسن حمّوديّ (٢٠٢٥). أسطورة سيبويه. القاهرة: شمس.

Baalbaki, Ramzi (2008). The legacy of the Kitāb: Sībawayhi’s analytical methods within the context of the Arabic grammatical theory. Leiden & Boston: Brill.

Carter, Michael G. (2016). Sibawayhi’s principles. Arabic grammar and law in early Islamic thought. Atlanta: Lockwood Press.

Druel, Jean N. (2025). Three Western recensions of Sībawayh’s Kitāb. Leiden & Boston: Brill.

Fassberg, Teddy (2022). “The Greek death of Sībawayhi and the origins of Arabic grammar”. Bulletin of the School of Oriental and African Studies 85 (2), 173‒193.

Sadan, Arik (2015). “Sībawayhi’s and later grammarians’ usage of ḥadīṯs as a grammatical tool”. Amal Elesha Marogy & Kees Versteegh (ed.), The Foundations of Arabic Linguistics II, Leiden & Boston: Brill, 171‒183.

Versteegh, Kees (2015). “What’s it like to be a Persian? Sībawayhi’s treatment of loanwords”. Amal Elesha Marogy & Kees Versteegh (ed.), The Foundations of Arabic Linguistics II, Leiden & Boston: Brill, 202‒221.

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
WhatsApp